جئتُ للدنيا باكياً كأني كنتُ أخشاها، طفلاً صغيراً لا يدري ما الذي فيها، خائفاً مترقباً يبحثُ عن موانيها.. (الله أكبر، الله أكبر) جِئْتَ مُسلِماً لِتُعمِّرَ كُلَّ مَا فِيها. «أنا والدُك، هذه أمُّك، ونحن عونُك وأهلُك».. حينها هدأتُ، تنهدتُ وابتسمت، لأني وجدتُ مسكني، عرفتُ مكاني، ولقيتُ أُسرتي، وهنا ستبدأُ رحلتي. هذا المكانُ سيكونُ نشأتي، والدايَ هما قدوتي، وما سأتعلمُه سيكونُ نهجي، وهذه تفاصيلُ حكايتي…
كبرتُ وأنا أسمعُ صراخَ أبي في وجهِ أمي، وأراه يضربُ إخوتي، وعندما كنتُ أخافُ وأبكي كان يصرخُ قامعاً لمشاعري، قائلاً لي: «إنَّ الرَّجُلَ لا يبكي، فلتكن شجاعاً، فأنا لا أغضبُ إلا لسبب!».. فعندها فهمتُ من والدي أنَّ الغضبَ سُخْط، البكاءَ ضَعْف، والرجولةَ قسوة! ثم ذهبتُ إلى أمي ورأيتُها تبكي، فحضنتُها ومسحتُ دمعَها وسألتُها: ما بكِ؟ فأجابت: «لا شيء، فقط أشعرُ بأني متعبة».. فنظرتُ إليها بتمعنٍ، فقالت: «إنَّ غضبَ والدِكَ جيد، فهو يريدُ تربيةَ إخوتِك بشكلٍ صحيح، وأنا لا أستطيعُ فعلَ شيءٍ لأني قد أتضررُ حينما أتدخل!».. فعندها فهمتُ من أمي أنَّ الضربَ تربية، والخوفَ أمان!
ثم ذهبتُ لكي ألعبَ مع صديقي، وجلستُ أشكو إليه ما حدث، ومن ثَمَّ عبرتُ له عن مشاعري وأني أراه أفضلَ صديقٍ بالنسبةِ لي، فسمعني أخي وذهبَ ليُخبرَ والدي، فأتي أبي وضربني! وعندها كان الاندهاشُ هو أول ما ظهرَ عليَّ، فبررَ أبي فعلَه بقوله: «إنَّ الرَّجُلَ لا يشكو لأنه سيكونُ محطّاً للسخريةِ، وأنه مِمَّا يَعيبُ الرجلَ أن يُظهرَ مشاعرَه لأحدٍ لأنه سوف يستغلُّه!».. ففهمتُ حينها أنَّ الشكوى انكسار، والتعبيرَ عن المشاعرِ له ثمن! ثم ذهبتُ إلى أختي ورأيتُها تتحدثُ مع جدتي وإذ بها تقولُ لها: «اخفضي صوتَكِ ولا تُكثري النقاشَ، انظري للأرضِ وانصتي لما أقول!».. ففهمتُ من جدتي أنَّ النقاشَ سوءُ أدبٍ، وخفضَ الصوتِ تهذيب، ورفعَ النظرِ عدمُ احترام!
هكذا مضيتُ، وهذا ما تعلّمت.. لكن عندما كبرتُ، اكتشفتُ أنه تشكلت لديَّ العديدُ من المعتقدات، الكثيرُ من الأفكار، ومجموعةٌ من المبادئ والتصرفات، حتى أصبحتُ صنيعَ والداي؛ لا أبكي لأني رجل، لا أشكو، لا أُعبّر، لا أُجادل، ولا أقولُ ما أشعرُ به! ولكن.. هنالك صوتٌ كان يصرخُ بداخلي أنني على خطأ؛ فأنا لا أستطيعُ أن أُنشئَ علاقات، أشعرُ بالغضبِ دائماً، لم أنجحْ في زواجي السابق، وينتابُني الحزنُ بشكلٍ مستمر.
فبدأتُ أبحثُ حينها عن السلوكياتِ الصائبة، معنى العائلة، وعن دورِ الوالدين الفعلي.. ففهمتُ في ذلك الحين: أنَّ المنزلَ أمان، الوالدين رحمةٌ وتوجيه، أنَّ الحِلْمَ حكمة، والبكاءَ تفريغ، أنَّ التربيةَ تعليم، والخوفَ ضعف، أنَّ الشكوى تنفيس، والتعبيرَ عن المشاعر راحة، أنَّ عدمَ النظرِ يعني انعدامَ التواصل، وأنَّ النقاشَ تفاهم والخضوعَ ذُلّ!
حزنتُ وقتَها كثيراً على نفسي؛ على مشاعري التي كتمتُها، دموعي التي جففتُها، غضبي الذي بررتُه، خوفي الذي عشتُه، والكثيرِ من الاضطراباتِ التي أحسستُها.. فأنا نتيجةُ العديدِ من الأخطاء، والكثيرِ من الصراعات.
أخيراً أقولُ: لأمي وأبي، ولكلِّ مَن يُقررُ الإنجاب، قولَهُ عليه الصلاة والسلام: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»؛ إنَّ هؤلاءِ الأطفالَ أمانةٌ ألقاها اللهُ على عاتقِكم، فأحسنوا إليهم، أحسنوا تربيتَهم، ولا تكونوا سبباً في إنشاءِ العُقَدِ بداخلهم، افهموا احتياجاتِهم، اشبعوا رغباتِهم، وكونوا مصدرَ الأمانِ بالنسبةِ لهم، فهم آباءُ الغدِ وجيلُ المستقبل.
ومضة لكلِّ رجل:
أنت تمتلكُ فرصةَ التغييرِ، فالصمتُ مقبرةٌ للمشاعر؛ لذلك، بادر باستشارةِ مختصٍّ يكونُ لك عوناً بعد الله، لتكونَ قادراً على التعبيرِ عن كلِّ شعورٍ يمكثُ بداخلك، ولتُصبحَ أفضلَ في كافةِ الأدوارِ الاجتماعيةِ التي تقومُ بها؛ كزوجٍ، أبٍ، أخٍ، وموظف.. فليس من العيبِ أن تستشيرَ، بل من المُرْهِقِ أن تكتمَ تلك المشاعر.” 🧠🌱
بشائر الكريديس


