في تيارِ هذهِ الحياةِ، وسُرْعَةِ تغيُراتِها، تقلُباتِها، وأزماتِها، أفراحِها، وأحزانِها.. يحتاجُ الواحدُ منا إلى كتفٍ يستندُ عليهِ، شخصٍ يفهمهُ ويُحاكيهِ، حكيمٍ يلتجئُ إليهِ، وقلبٍ حنونٍ يحتويهِ.
إنَّ المشاعرَ العاطفيةَ فِطْرَةٌ خلقنا اللهُ بها، فلا يخلو منها أحد؛ فنحنُ مزيجُ فرحٍ وحزنٍ، شغفٍ وإحباطٍ، خوفٍ وطمأنينةٍ، غضبٍ وهدوءٍ، وغيرها الكثير. لذا، نحتاجُ دوماً مَنْ نشاركهُ هذه المشاعر، ومَنْ يتفهمُها منا، وهنا تكمنُ أهميةُ العائلةِ، كونها المصدر الرئيسي للأمانِ والحب، المعلِّم الأول، والداعم الدائم.
لكن.. هل تقوم جميع الأسر بهذا الدور؟ هل هنالك أُسر تُعتبر مصدراً للتهديد؟ وسبباً للفساد؟ ما الذي قد يُعطّل وظائفهم؟ وما السبب وراء ضعف ترابطهم؟
إنَّ ما أثار حديثي في هذا اليوم، التغيرات التي اُسْتُحْدِثَتْ للأسرة في الفترة الأخيرة؛ فنحن كما نعرف أنَّ الأسرة منذُ الأزل لها أهميتها ومكانتها في بناء المجتمع، ترابطه، والحفاظ عليه، أما اليوم وبسبب التحولات التي اعترت العالم، والتطور التكنولوجي الذي ساهم في تغيير العديد من المعتقدات وتبديل الكثير من الأفكار، وضعف الوعي الذي يُعد المسبب الأول في ذلك كله.. فقد تبرأت بعض الأسر من أدوارها الرئيسية، مما جعل الأبناء ضحية للتنشئة السلبية، واكتساب العديد من السلوكيات غير السوية، حتى ظهر لدينا جيلٌ هَشٌّ نفسيّاً، يفتقد لوجود مبادئ أساسية وقيم إسلامية.
ونحن لا نلقي كل اللوم على الأسر، لأننا نعلم أنَّ هنالك الكثير من الأسباب التي قد تؤثر على أدائهم لأدوارهم، منها: حاجة المرأة للعمل، تأثير العمالة المنزلية، الظروف الاقتصادية، الألعاب الإلكترونية، وأخيراً وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الثقافي. لكنَّ ذلك لا يعني أنه لم يعد للأسرة أهمية، ولا يُعطي الحق لأي فرد من أفرادها بأن يستخدم تلك المبررات كأعذار للانسحاب من القيام بدوره الرئيسي الذي فُطِرَ عليه، وكما قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [أخرجه البخاري].
كما نجد أنَّ هنالك نموذجاً رائعاً من الأسر يُحتذى به؛ فإنَّ الأسرة إن لم تكن المرجع الأول لأبنائها في وضع الأسس الرئيسية للتنشئة السليمة، كالأمور العقائدية، الأخلاق الكريمة، والعادات الحسنة، فلن يستطيع أحدٌ آخر وضعها بالطريقة الصحيحة، وعدم وجود تلك القواعد الثابتة قد يجعل الأبناء ينقادون وراء المغريات الدنيوية والمعتقدات السلبية. وبسبب التفكك الأسري الذي تعيشه العديد من العوائل اليوم، نجد الكثير من الأبناء يتشاركون مشكلاتهم وهمومهم مع أقرانهم، متجاوزين بذلك آباءَهم وإخوانهم؛ لخوفهم من ردود أفعالهم، أو لعدم شعورهم بالأمان تجاههم، أو لكونهم مصدراً أساسياً لمُعْضِلَاتِهم، مما قد يجعلهم يلجؤون إلى أشخاص آخرين قد يضرونهم أو يستغلونهم.
ومِمَّا يعين على تقوية الروابط الأسرية وتمكينها من أداء وظائفها الأساسية:
- التوكل والالتجاء: التوكل على الله سبحانه وتعالى والاستعانة به دائماً.
- صحة الاختيار: الاختيار الصحيح لشريك الحياة منذ البداية.
- الوعي التربوي الحديث: تنشئة الأبناء على أسس دينية سليمة، ومهارات تربوية حديثة؛ فإنَّ من أكثر الأخطاء التي تتعرض لها العوائل اليوم، أنها تربي أبناءها بالطريقة ذاتها التي تربت هي عليها، ظناً منهم أنها القالب الوحيد الصحيح للتربية.
- حماية الأمان الوالدي: الانتباه لعدم حدوث المشكلات الزوجية أمام الأبناء، لأنَّ ذلك يزعزع أمانهم الجوهري.
- المعالجة الفورية: حل المشكلات والخلافات الأسرية منذ بداية نشوئها، وعدم إعطائها الفرصة للتراكم والتعقيد.
- لغة الحوار السائد: جعل الحوار اللغة الأساسية للتواصل، عن طريق النقاش وتبادل الآراء، والسماح للأطراف الأخرى بالتعبير عن مشكلاتها وطرح تساؤلاتها، كون ذلك يعين على فهم شخصية الأبناء وكسب ثقتهم.
- الضبط الأُسري: وضع ضوابط أساسية باتفاق الوالدين لا يُسمح بتجاوزها، فهي مطلب أساسي للتربية؛ لأنها تعمل على تهذيب الأبناء وتقويم سلوكهم، كما تُعينهم مستقبلاً على تقبل الضبط الخارجي واحترامه (كأنظمة المدرسة، قوانين المرور، وغيرها).
- جودة الوقت: تخصيص وقت فعّال للاجتماع العائلي، تبادل النقاشات، والترفيه؛ فالوقت يُقاس بالجودة لا بالمدة.
- المرونة الواعية: وهي لا تناقض الضبط؛ فالضبط يكون في أمور رئيسية محددة كالدين، احترام الوالدين، التعليم، والصحة، أما المرونة فتكون في الأمور اليومية القابلة للنقاش والتغيير.
- التوازن التربوي: استخدام أسلوب الثواب والعقاب، والموازنة الذكية بين الحزم واللين.
- التعلم عبر الخطأ: إعطاء فرصة للخطأ والتعلم، وعدم استخدام أسلوب “المحامي والمدافع” بشكل دائم، فإنَّ ذلك يجعل الأبناء غير قادرين على مواجهة مصاعب الحياة، مما يسبب حدوث اضطرابات لاحقة.
- انتقاد السلوك لا الذات: انتقاد الفعل لا الشخص؛ فكل سلوك قابل للتعديل، أما الشخصية فإذا هُدِمَتْ صعب ترميمها. مثال ذلك: قل لابنك «هذا السلوك خاطئ»، ولا تقل له «أنت شخص فاشل»؛ فالأولى تدفعه للتعديل، والثانية تدفعه للتبني والتقمص.
- الإنصات الحكيم: الاستماع بحكمة للطرف الآخر وتقديم الدعم والمساعدة له، بدلاً من الغضب وإلقاء اللوم، مما يجعل الآباء المرجعية الآمنة للأبناء.
- الإشباع العاطفي المقيم: إظهار الحب من خلال الاحتضان، التقبيل، واختيار الكلمات اللطيفة، مما يُشبع عاطفة الأبناء داخل الأسرة بدلاً من البحث عنها في الخارج.
أخيراً.. قد تتعرض الأُسَر لمشكلات لا تعرف كيف تتعامل معها، وتواجه تحديات يصعب عليها تجاوزها؛ لكنَّ ذلك لا يعني الاستسلام لها أو التعايش السلبي معها، بل يجب فهمها ووضع الحلول للتغلب عليها، ويكون ذلك من خلال التوجه للمختصين النفسيين والأسريين الذين لديهم من العلم والخبرة ما يعين على معرفة تلك المعضلات وتخطيها بأمان.” صلابة الجذور.. لأجل جيلٍ ينمو في كَنَفِ الأمان والرحمة. 🕊️✨
بشائر الكريديس


