في زِحامِ الحياةِ وتقلُباتِها، نتعرضُ للكثيرِ من المواقِفِ والصَّدمات، حتَّى إنه لا يَسَعُنا الوقتُ للتَّقبُّل؛ فما إنْ تنتهي الصَّدْمةُ الأولى إلَّا وأتتِ الأُخرى كحليفٍ لها، إلى أنِ امتلأتْ قلوبُنا وأُنْهِكَتْ أجسادُنا. فلا مجالَ للتَّعبيرِ، ولا قدرةَ على القولِ، لذا اخترنا أن نستمرَّ بصمتٍ، حتَّى أصبحنا كبُرْكانٍ هائجٍ قابلٍ للانفجارِ في أيِّ وقتٍ.
“إِنَّ خَطِيئَةَ الْكِتْمَانِ يَا عَزِيزِي، أَنْ تَبُوحَ فِي الْوَقْتِ الْخَاطِئِ”
لقد قمتُ بطرحِ سؤالٍ في أحدِ الأيامِ عن سببِ رفضِ الناسِ للتعبيرِ عمَّا يشعرون به؟
فكانتِ الإجاباتُ متنوعةً؛ فالبعضُ قال إنه لا يُعبرُ بسببِ خوفِهِ من رداتِ فعلِ الأشخاصِ الذين حوله، والبعضُ الآخرُ كان يخشى أن يتمَّ استغلالُهُ أو الاستهتارَ بمشاعِرِهِ، أما الجزءُ الأخيرُ فكان يرى أنَّ التَّعبيرَ عن المشاعِرِ ضَعْفٌ ومضيعةٌ للوقتِ. فلكلٍّ منهم وجهةُ نظرٍ مُختلفةٌ، لكنَّ الأغلبَ اختارَ الكتمانَ كحلٍّ نهائيٍّ.
إنَّ معظمَ الناسِ يلجؤون للكتمانِ اعتقاداً منهم أنه الطريقةُ الأنسبُ للنسيانِ والتغاضي، لكن في الحقيقةِ، هم لا يعلمون مدى تأثيرِ ذلكَ عليهم، وأنه مع مرورِ الوقتِ سوف تتحولُ هذه المشاعرُ لتصرفاتٍ سلبيةٍ؛ مثل: الغضبِ، الضيقةِ المفاجئةِ، العزلةِ، الألمِ النفسيِّ، الحزنِ، والبعدِ عن خوضِ النقاشاتِ وتكوينِ العلاقاتِ. لذا، فمن المُهِمِّ، والمُهِمِّ جدّاً، أن يُعبِّرَ الإنسانُ عن مشاعِرِهِ ويُنَفِّسَ عنها، حتَّى يُصبحَ آمِناً وسَعِيداً من الداخلِ، فينعكسُ ذلكَ على رداتِ فِعْلِهِ، فتكون طبيعيةً نابعةً من مشاعرَ حقيقيةٍ، وليست هجوميةً أو انسحابيةً نابعةً من كَبْتٍ مُزمنٍ.
وللتعبيرِ طُرُقٌ كثيرةٌ منها:
- فهم المنشأ: أن يجلسَ الشخصُ مع نفسِهِ ويُحاولَ فهمَ سببِ هذه المشاعِرِ، ولماذا يشعرُ بها تحديداً.
- منح المساحة: أن يعيشَ الشخصُ هذه المشاعرَ بكلِّ ما فيها ولا يُحاولَ قَمْعَها، بل بالعكسِ يُعطيها مساحتَها الكاملةَ ليستطيعَ التعاملَ معها بشكلٍ صحيحٍ فيما بعد.
- الكفُّ عن جلد الذات: ألا يلومَ الشخصُ نفسَه على هذه المشاعرِ ولا يؤنِّبَ ذاتَه بأن يقول: (أنا أستحقُّ ذلك، أنا ضعيف، أنا مخطئ، أنا سيئ، أنا غيرُ جديرٍ بالثقة)؛ لأنَّ كلَّ هذه الرسائلِ السلبيةِ ستمنعُ الشخصَ من أن يُمارسَ إنسانيتَهُ. فهذه عواطفُ بشريةٌ طبيعيةٌ قد يمرُّ بها الجميعُ؛ فمن الطبيعيِّ أن يمرَّ الإنسانُ بلحظاتٍ من الفرحِ والحزنِ، الغضبِ والسكينةِ، الحبِّ والكرهِ، وجميعُها مشاعرُ حقيقيةٌ تحدثُ نتيجةَ التعرض لمواقفَ متفاوتة، وهي التي تُسهمُ في تكوينِ الاستجاباتِ وردَّاتِ الفعلِ المختلفةِ.
- أدوات التفريغ والتنفيس: إن التفريغُ ليس شرطاً أن يكون فضفضةً شفهيةً فقط، بل له عدةُ وسائلَ صحيةٍ، منها: دعاءُ اللهِ ومناجاتُهُ عزَّ وجلَّ، المشيُ والرياضةُ، الاستحمامُ بالماءِ الباردِ، اختيارُ شخصٍ واعيٍ وجديرٍ بالثقةِ (كصديقٍ، أخٍ، أبٍ، أمٍّ، أو زميلٍ) شريطةَ أن يكونَ مهتماً لأمرِكَ ويُحسن الإنصاتَ إليك.
- الكتابة الحرة والتدوين: التفريغُ عن طريقِ الكتابةِ هو أسلوبٌ فعّالٌ جدّاً في العلاجِ النفسيِّ، يُساعدُ الأشخاصَ في التنفيسِ عن مشاعرِهم والتحررِ من مخاوفِهم من خلالِ (الكتابةِ الحُرَّةِ)؛ بحيث يتمُّ تفريغُ كافةِ المواقفِ، الأفكارِ، والأحاسيسِ على الورقِ فورَ الشعورِ بها وبطريقةٍ بسيطةٍ دون الحاجةِ إلى استخدامِ لغةٍ إبداعيةٍ أو شروطٍ بلاغيةٍ. تُساعدُ هذه التقنيةُ على النظرِ للأمورِ بطريقةٍ مختلفةٍ وواقعيةٍ، كما تُعينُ على ترتيبِ الأفكارِ العشوائيةِ المفرطةِ، وتفكيكِ المشاعرِ المكبوتةِ، مما يجعلُ المشكلةَ أكثرَ سهولةً في التعاملِ؛ لأنه أصبحَ من الممكنِ رؤيتُها وتحديدُ أبعادِها بوضوحٍ.
إنَّ عمليةَ التفريغِ عمليةٌ جوهريةٌ في تحسينِ الصحةِ النفسيةِ، فلا تتهاونْ بها.
أخيراً.. قد يَسْتَصْعِبُ عليكَ البَوْحُ بمشاعِرِكَ السلبيةِ فتكبتُهَا، لكنَّ ذلك لا يُعينُكَ على تخطّيها أَبداً، بل يُثقِلُ حِمْلَها عليكَ.
ومضة عيادية: إنَّ المعالجَ النفسيَّ خيارٌ جيدٌ وآمنٌ؛ فهو لا يُنصتُ إليكَ فقط، بل يُمكِّنُكَ من تفكيكِ وحلِّ مشكلاتِك، ومعرفةِ كيفيةِ التعاملِ معها بأسسٍ علميةٍ رصينةٍ.
بشائر الكريديس


