حينما يُولد الشخصُ يكون ضمن عائلةٍ كُتبَ له أن يكون أحدَ أفرادِها؛ وهي علاقةٌ مفروضةٌ ليست اختيارية، لكنَّ ذلك لا يعني أنها الوحيدة، فبإمكانِنا تأسيسُ عائلةٍ أخرى، وهي ما يُسمى بـ (العائلة المُختارة)، تلك التي نُحدّد أفرادَها وننتقيهم بعنايةٍ، بناءً على مجموعةٍ من الأسس والمعايير، والقيم والمبادئ التي تتناسبُ معنا.. ألا وهم الأصدقاء.
إنَّ الصديقَ بمثابةِ أخٍ لم تلدْه أمُّك، هو جزءٌ منك في جسدٍ آخر، هو ذلك الشخصُ الذي تستودعُه أسرارَك ومشاعرَك دون أن تخاف؛ فإن أخطأتَ التمسَ لك العُذْر، وإذا غبتَ سألَ عنك، وإن احتجتَه وجدتهُ سَنَدَكَ.. هو الذي يَصْدُقُكَ النصحَ والكلام، يؤمّنُك من الخوفِ ويمنحك الطمأنينة، يحفظُ لك الودَّ ويصونُ لك العِشْرة.
الصديقُ الحقيقيُّ هو مَن يصحبُك معه للخيرِ ويخشى عليك الضرر، يفرحُ بنجاحِك ويحزنُ لفشلِك، يمدُّ لك يدَ العونِ ويجتازُ معك الصعاب.. الصديقُ هو ذلك الذي يفهمُك قبل أن تتحدث، ويشعرُ بك دون أن تفصح. إنَّ الصديقَ يا صديقي شيءٌ يَصْعُبُ وصفُه وليس من السهلِ أن تجدَه؛ فالصديقُ الحقيقيُّ سيصحبُك معه للرفعةِ والفلاح، أما الصديقُ المزيفُ فسيُظهرُ لك الخيرَ ويُبْطِنُ الشر، يتحدثُ عنك بالسوءِ ويتمنى لك الضر، يُحرّضُك على الكرهِ والجدال، ويُوصِلُك للحقدِ والضغينة. إنَّ الصديقَ السيئ سيُوقعُك دون أن تدرك، وسيُسبِّبُ لك الهلاك، ويؤثرُ سلباً على ثقتِك بنفسِك وعلى صحتِك النفسية.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجَدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجَدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» [متفق عليه].
ولكي تجدَ ذلك الصديقَ الفعليَّ، يجب عليك أن تضعَ معاييرَ واضحةً منذ البداية لكي لا تتوهَ في منتصفِ الطريق، واحرص في اختيارِك على ذي الدِّينِ والخُلُقِ الحسن؛ فإن حَفِظَ الشخصُ دينَه وحسُنتْ أخلاقُه فقد فاز. وتُعتبرُ الصداقةُ أحدَ أقوى العلاقاتِ التي تُساعد الإنسانَ على الاستمتاعِ بالحياة، كما أنها علاقةٌ معروفةٌ منذ القِدَم، لأنها رابطةٌ إنسانية قوية مبنية على التوافقِ والقَبول، وهي تُساعد الشخصَ على تكوينِ علاقاتٍ اجتماعيةٍ متنوعة، وتدعمُ صحتَه النفسية، وتزيدُ من عزيمتِه وثقتِه.
ومِن أروعِ الأمثلةِ التي يُحتذى بها في هذا الباب، صداقةُ الرسولِ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام مع أبي بكرٍ رضي الله عنه، فقد كان يقول فيه: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»؛ فهو أولُ مَن آمن به وصدَّقه.. فعندما يحظى الإنسانُ بأصدقاءَ حقيقيين فعلاً، فإنه قد حظيَ بالخيرِ الوفير.
وتذكر يا صديقي المقولةَ التي تقول: (قُل لي مَن تُصادق، أقُل لكَ مَن أنت)؛ فصديقُك هو انعكاسُك، فأحسنِ الاختيار.
بشائر الكريديس


