نمضي عابرين، تعترضُنا محطاتُ الحياةِ؛ نقِفُ في كلِّ مرَّةٍ راغبين في أخذِ قِسْطٍ من الراحةِ، تزوُّداً للطعامِ، استكشافاً للمكانِ، ومعرفةً للأشخاصِ،
ومن ثَمَّ.. إكمالِ بقيةِ الرحلةِ.
في مسيرةِ الحياةِ، تنحرفُ بنا الطرقُ وتُقْفَلُ الأبوابُ، تتعددُ الوجهاتُ وتختلفُ القوانينُ، تنفدُ الطاقةُ ويتعطَّلُ العملُ، تظهرُ العقباتُ ويزدادُ الخوفُ.. وبعد مدةٍ، تتساقطُ الأمطارُ وتتفتحُ الأزهارُ، تتضحُ الرؤيةُ ويسهُلُ العبورُ، تقتربُ الوجهةُ ويشِعُّ النورُ، ومن ثَمَّ تعودُ المنعطفاتُ مرَّةً أخرى، وهكذا تستمرُّ الرحلةُ.
إنَّ الحياةَ متقلبةٌ، لا تخلو من العتمةِ ولكنَّ أساسَها النورُ.
نمرُّ جميعُنا بمُعْضِلَاتٍ تمنعُنا من التقدُّمِ، تُثيرُ مخاوفَنا، وتُحبطُ الآمالَ بداخلِنا؛ نقفُ عاجزين أمامَها، لا نعلمُ كيف ننهضُ منها، ونصبحُ أسرى لها.. تأخذُ من أعمارِنا، تفتكُ بأجسادِنا، وتُدمّرُ علاقاتِنا.
نسمحُ للأحزانِ بأن تُسيطرَ علينا وتجثمَ على قلوبِنا.. نعم!! نحن المسبِّبُ الأولُ، لأننا نُكْسِبُ هذه الأحزانَ القوةَ؛ نستسلمُ لها في كلِّ مرَّةٍ، نخشاها، نكررُ البكاءَ عليها، نبقى في كَنَفِها، ولا نحاولُ التحرُّرَ منها، لذلك هي مَن تنتصرُ علينا دائماً.
أما الآن، فلا بُدَّ لنا من مَخْرَجٍ للتغلُّبِ على أحزانِنا والسيطرةِ عليها، وسيكونُ ذلك بالخطواتِ التاليةِ:
المواجهةُ أولاً: الاعترافُ بالحزنِ ومواجهتُه دون هروبٍ.
اليقينُ التامُّ: الإيمانُ بأنه ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأنَّ أَمْرَ اللهِ خيرٌ لنا، حتَّى لو شعرنا بخلافِ ذلك.
الثقةُ المطلقةُ: الثقةُ باللهِ؛ فما ابتلانا إلا لمحبَّتِهِ لنا، وما أشقانا -في الظاهرِ- إلا ليُسْعِدَنا.
الوعيُ بطبيعةِ الحزنِ: معرفةُ حقيقتهِ، وأنه لا يُغيِّرُ من مشكلاتِنا شيئاً بل يزيدُها تعقيداً.
النمذجةُ والاستلهامُ: النظرُ إلى الأبطالِ من حولِنا، أولئك الذين تجاوزوا معارِكَ أقوى ممَّا نخوضُ وانتصروا فيها؛ ليس بهدفِ المقارنةِ الظالمةِ، ولكن لزيادةِ عزمِنا وإشعالِ فتيلةِ النهوضِ بداخلِنا.
المنهجُ العمليُّ: البحثُ عن حلولٍ عمليةٍ لمشكلاتِنا، بدلاً من الغرقِ في التفكيرِ بها فقط.
التعايشُ الإيجابيُّ: والتعايشُ هنا لا يعني القبولَ السلبيَّ والاستسلامَ، بل العملُ على تطويرِ ذواتِنا والارتقاءِ بها وسطَ الظروفِ.
استدعاءُ الانتصاراتِ السابقةِ: تذكُّرُ آلامِنا الماضيةِ، تلك اللحظاتِ التي ظننَّا أنَّها النهايةُ ولكنَّنا بدأنا بعدها من جديدٍ؛ ليزدادَ يقينُنا بأنَّ مع العُسْرِ يُسْراً دائماً.
الإلحاحُ بالدعاءِ: أن يَمُدَّنا الكريمُ -عزَّ شأنهُ- بالقوةِ والطاقةِ، يُبارك في أوقاتِنا وأعمالِنا، يربطُ على قلوبِنا ويُنيرُ عقولَنا، يُلهمُنا الصوابَ ويُسخِّرُ لنا الطيبين من حولِنا، وألا يُحمِّلَنا ما لا طاقةَ لنا به.
أخيراً.. لن تزولَ التحدياتُ ولكن للوصولِ لذَّة، لن تنتهي الخيباتُ ولكن للنصرِ فرحة، لن يتوقفَ القلقُ ولكن للطمأنينةِ سكينة..
هذه هي حقيقةُ الدنيا؛ لم تَصْفُ للأنبياءِ حتَّى تصفُوَ لنا! لن تكونَ ورديةَ اللونِ دائماً، وهذا يعني أنَّها ليست سوداءَ مطلقاً، نظراً لقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، أي أنَّ الدنيا دارُ مشقَّةٍ وتعبٍ يتبعُها جنيُ الثمارِ.
لذلك، يجبُ ألا نكتئبَ ونخضعَ للظروفِ، بل نسعى ونَعْمُر الأرضَ؛ نعقلُها ونتوكلُ، نزرعُ ونحصدُ، ونتفاءلُ بالخيرِ دائماً. لأنَّ هذا التوكلَ سيُشعرُنا بالراحةِ، يُبصِرُ أذهانَنا، ويجعلُنا نسيرُ بيقظةٍ نحو الهدفِ الأسمى والدارِ الآخرةِ، لقوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.” ✨
بشائر الكريديس


