ثمة فارق مرعب بين أن تختار الصمت كرفاهية، وبين أن يفرض عليك كواجب، فهل جربت يوماً أن تخاف الهدوء الذي كنت تتوسله؟ عن الشعور الذي اختُبِر إجباراً.. تكتب هذه السطور.
ذاتَ ليلةٍ، اضْطُرِرْتُ إلى اختيارِ الوحدةِ على الكَثْرَةِ؛ ليس رغبةً فيها، ولكنَّ الأمرَ تطلَّبَ ذلك. مضتِ الساعاتُ الأولى بِخِفَّةٍ، وكذلك مضى اليومُ الأول، ثم بدأ الأمرُ يَصْعُبُ شيئاً فشيئاً؛ باتتِ الأيامُ ثقيلةً، والأوقاتُ طويلةً، والساعاتُ كثيرةً كأنها تجاوزتِ الأربعَ والعشرين ساعةً التي اعتدتُ عليها! أما الصَّمْتُ.. ذلك الإحساسُ المرعبُ كرُعْبِ سكونِه، الواسعُ كسَعَةِ امتدادِه، القاتلُ كقسوةِ حروفِه.
لم أتوقع يوماً أن أخافَ من السكوتِ أو الهدوء؛ فلطالما سرقتُ الأوقاتَ بُغْيَةَ الاستمتاعِ بهما، واختلقتُ الأكاذيبَ رغبةً في الهروبِ إليهما، وخففتُ المهامَ عنايةً بالحصولِ عليهما؛ فأنا ابنةُ التأمُّلِ، واليقظةِ، والعُمْقِ، والتفكُّرِ.. لكنني لستُ على صِلةٍ بالوحدةِ أبداً؛ وذلك ما فهمتُه من الدرس، فشتَّانَ بينَ الخلوةِ والعُزْلَة؛ فالأولى مَسَرَّةٌ ومطلب، والأخرى وَحْشَةٌ ومَهْرَب.
أخذتُ أتفكَّرُ في أمرِ الوحدة، وأتذكَّرُ كلَّ ما قيل عنها (ما عرفتُه، وسمعتُه، وقرأتُه)؛ ومنها تلك العبارةُ التي تقول: “في الوحدةِ يلتهمُ المرءُ روحَه بدلاً من تنميتِها”. وذلك السطرُ الذي ظلَّ عالقاً في ذهني منذ أن قرأتُه للمرة الأولى في كتاب «ربما عليك أن تُحدّث أحداً»، عندما ذكرتِ المعالجةُ النفسية لوري غوتليب قصةَ إحدى عميلاتها التي كانت تحرصُ على موعد “الباديكير” الأسبوعي ليس بهدف الجمال كما ظَنَّتْ، بل بحثاً عن ذلك التلامُسِ الذي افتقدتْه طويلاً واشتاقتْ إليه، حتى وإن أتى بصورةِ خدمةٍ مدفوعةِ المال، مُجَرَّدَةٍ من الشعور.
أتذكَّرُ كيف تأثرتُ حينها عندما تخيلتُ الموقف، لكنَّ التأثُّرَ كان لحظياً عابراً، أما اليوم عندما استدعاني الشعور ذاتُه بدا الموقفُ مختلفاً جداً؛ فقد لامَسَ الخيالُ الواقع، فأصبحَ التأثُّرُ مستمراً مستقراً.. نعم، لم أصل إلى المرحلة نفسها، والفروقاتُ بيننا شاسعة، لكني فهمتُ الألم، وتحسَّستُ عُمقَه وشِدَّةَ وطأتِه؛ فتساءلتُ: كيف يصلُ المرءُ لمرحلةٍ يبحثُ فيها عن أيِّ شيءٍ ليملأَ كلَّ شيء (الخوف، الفراغ، الملل، الحب) من خلال كائناً من كان!؟
كذلك طَرَأَ على بالي مقطعٌ في منصة (X) لامرأةٍ تتحدثُ عن مدى تعلُّقِهَا بقطتِها، وكيف تهتمُّ بها وتلاعبُها، وتُطعمُها وتسقيها، حتى أنها تحتضنُها وتتحدثُ إليها.. في ذلك الوقت أتذكَّرُ أني ضحكتُ كثيراً حتى تساقطَ دمعي، واستنكرتُ ذلك في نفسي قائلةً: “قد بالَغَتْ تلك المرأةُ جداً في التعامل، فالقطة حيوانٌ في نهاية المطاف لا يحتاجُ إلى كلِّ ذلك الاهتمام!”، غيرَ أني أدركتُ الآن أنها هي من كانت تحتاجُ ذلك لا القطة!
الوحدة.. ذلك الشعورُ الَّذِي اخْتُبِرَ، وليتَه لم يكن موضعَ اختبارٍ أبداً. لا أعرفُ من أين أبتدئ عندَ الحديثِ عنها؟ أأصفُ كآبةَ المكان، أم صعوبةَ الكلام، أم مرارةَ الطعام؟ أأتحدثُ عن الكوابيسِ التي تأتي قبلَ النومِ بخلافِ طبيعتِها المعتادة؟ أم عن اليقظةِ المفرطةِ غايةَ الإحساسِ بالطمأنينةِ المؤقتة؟ أم عن الرغبةِ في مشاركةِ الأحاديثِ المتراكمة؟ أم أشكو كثرةَ المهامِ غيرِ القابلةِ للتقسيم، والأخطاءَ التي لا يمكنُ نسبُها للغير، والفواتيرَ ذاتَ التكلفةِ المرتفعة؟ ناهيكَ عن لحظاتِ الاستحمامِ السريع، والهاتفِ الذي لا يمكنُ وضعُهُ على الصامتِ أبداً، ومفتاحِ البابِ الذي يُكلِّفكَ نسيانُه الكثير! وغيرها مما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى.. عَلَّنِي أبحرتُ في التفصيل حتى قاربتُ الغرق، لذا يستوجبُ أن أقف؛ لا لأني انتهيت، بل لأني اكتفيتُ وأُنهِكْت.
أخيراً: لستُ من دعاةِ السلبيةِ المفرطة، ولكني ضدَّ الإيجابيةِ السامة؛ فالوحدةُ قد لا تكونُ موضعَ اختبارٍ مؤقت كما حدثَ معي، فقد تأتي إجباراً، أو قدراً، أو خياراً؛ فإن حدثَ معك أوَّلُ احتمالينِ فيتطلَّبُ منكَ التعايشَ والتسليمَ ومحاولةَ التحسينِ قدرَ المستطاع، أما إن كان الاحتمالُ الأخير.. فالأمرُ يقتضي التوقفَ وإعادةَ النظرِ فيه؛ فالوحدة هلاك وإن بدت لك نجاة. ✨


