أرى أنَّك مُنهَك، وأنَّ ما حدَث قد أتعَبك، وأنَّك مرَرْتَ بأيَّامٍ ثِقال، وربما لا زلتَ في غَمْرَتِها الآن، تحتَ وطأتِها، وداخلَ عُمْقِ شُعورِها، وغيرَ قادرٍ على تجاوزِها.. أعْلَمُ أنَّك تحْتاجُ البُكاءَ بشدَّة، لكنَّك تُقاوِم، وأُدْرِكُ أنَّ شعورَ الخَوْفِ يكادُ يُمَزِّقُك بقَسْوة، لكنَّك تتظاهَرُ بالقُوَّة، وأُبْصِرُ كيفَ تحاوِلُ أن تَنْجو، كيفَ تُصارِعُ الحياةَ في موجٍ عميق، وليلٍ حالِكِ السَّواد، وشتاءٍ قارِسِ البُرودة، دونَ سُتْرةِ نَجاة، أو سِوارِ أمان، دونَ مَرْكبٍ أو وِجْهةٍ واضِحةٍ حتى؛ فقطْ تُجاهِد.. تُجاهِدُ أن تبْقى على قَيْدِ الحياةِ بأقَلِّ قدَرٍ من الضَّرَر.
أَعِي أنَّ الأمْرَ ليسَ سَهْلاً أبَداً، وأنَّ المُعْضِلةَ مُرْبِكة، وأنَّ المَصائِبَ لا تأتي فُرادى، وأنَّ المعارِكَ تُخاضُ في السِّرّ، حيثُ يبْدو العَلَنُ آمِناً مُسْتَتِبّاً للجميع.
لِتَعْلَمَ أنَّك لستَ وحْدَك، وأنَّ ما يمُرُّ بك، أعيشُه معَك.. أتيتُ إليْك مُخاطِبةً إيَّاك، مَهْلاً! لا تتَوَقَّعْ أنَّني أُحدِّثُك من اليابِسة، أو من أَعْلى بُرْجٍ مُشَيَّد، أو حتَّى من متْنِ قارِب؛ الحقيقةُ أنِّي معَك، في ذاتِ المعرَكَة، في الضَّفَّةِ الأُخْرى من المُحيط، إنْ حدَّقْتَ بنَظَرِك تِجاهي.. وجَدْتَني أُكافِحُ البحرَ بكلِّ جُهْدٍ حتَّى لا أقعَ غَريقةً داخِلَه، فريسةً له، لذا أشْعُرُ بك، وأرى الخَوْفَ في عَيْنَيْك، وأتَحَسَّسُ الوَجَعَ داخلَ قلْبِك، وأسْتَشْعِرُ الألَمَ بينَ كَلِماتِك؛ لأنِّي أنْتَ في مكانٍ آخَر.
وبينَما أرانا نُناضِل، أتذكَّرُ حقيقةً لا مَفَرَّ منها، أسْلو بها، وأتَقَوَّى من خِلالِها، وسأنقُلُها إليك: اعلم أنَّ هذه طبيعةُ الدُّنيا، دَنيَّةً من اسْمِهَا، فُطِرَتْ على كَدَر، وجُعِلَتْ مَحَطَّةً واخْتِباراً للبَشَر، لم يَنْجُ منها الأنْبياءُ لِنَنْجوَ نحنُ، ولم تَصْفُ لأحَدٍ لِتَصْفُوَ لنا، ولم تدَعْ شخْصاً إلا أذاقَتْه من مرارَتِها، وأوْجَعَتْه بابتِلاءاتِها.. لنْ أُحَدِّثَك يا صديقي اليوم بأحاديثِ تطْويرِ الذَّات، ولا بالإيجابيَّةِ السَّامَّة، فأنا أكْثَرُ ما أكْرَهُه هيَ المِثاليَّةُ المُفْرِطة، والنَّصائِحُ المُعَلَّبة، والمُواساةُ المُشْفِقة، لكنِّي سأقولُ قَوْلاً حقّاً وإنْ بدا مُؤْلِماً: إنْ أرَدْتَ عَيْشَ رَغَدِ الحياةِ فاعْرِفْ غايةَ خَلْقِها، وكُنْ فَطِناً في التَّعامُلِ معها، واعْلَمْ أنَّها مُتَقَلِّبةٌ غيرُ ثابِتة، فكما فيها من العُسْر، فإنَّه يَتْبَعُه اليُسْرُ دائماً، وأنَّ المِسْكينَ فيها ليسَ المُبْتَلى، بلِ السَّاخِطُ اليائِس، وأنَّ النَّصْرَ بها يكونُ بالصَّبْرِ عليها، والتَّوَكُّلِ على خالِقِها، والسَّعْيِ بأسبابِها، واليقينِ بانْقِضائِها، والدُّعاءِ لِمُدَبِّرِ الأَمْرِ فيها، والاعْتِرافِ بمشاعرِ الأَلَمِ منها..
وبعدَ أن يَمُرَّ ذلكَ جُلُّهُ.. سيَعْبُرُ كُلُّهُ! وسيأتي الجَبْرُ وكأنَّ شيئاً لم يكُنْ ✨


