بدأ الأمرُ مبهراً مشعاً… ثم أخذ ينطفئ شيئاً فشيئاً.
يُنظر عادةً للحياة على أنها مراحل متتابعة تمضي وفق نمطٍ ثابتٍ ورتيب؛ حتى أصبحنا نتعامل معها بشكل ماديٍّ بحت، دون إحساسٍ بها أو استمتاعٍ بمكنوناتها: نبدأ بالطفولة، تليها الدراسة، التخرج، الوظيفة، الزواج، الإنجاب، التربية، التقاعد… وصولاً إلى اللحظة التي يأذن الله فيها بقبض الروح.
لكن ما أود تسليط الضوء عليه في مقالي هذا هو مرحلةٌ مفصلية من هذه المراحل: ألا وهي الزواج؛ ذلك الميثاق الغليظ، والمفهوم المقدس للمودة والرحمة والألفة والسكينة، والحياة الهادئة الهانئة بصحبة الشريك. مع الملاحظة أنني لا أتحدث هنا عن الحياة الكاملة، أو الوردية، أو الرومانسية المفرطة، بل أتحدث عن مفهومٍ متفردٍ أطلقتُ عليه مسمى (الرفقة الآمنة) يتمحور حول الصداقة والأمان، المودة والرحمة، ليظهر الزواج بشكله الفعلي المرجو.
لكن للأسف، بدا واقع الأمر متخلفاً لا مختلّفاً فحسب؛ فمع تقدّم الحياة وازدياد تعقيدها وسرعة متغيراتها، أصبح الزواج مجرد عادةٍ من العادات، ومَهمَةٍ تُؤدّى، ومرحلةٍ تُعبر، لا علاقة تُبنى. بل إن بعضهم —وهُم عددٌ ليس بقليل— أخذ ينظر إليه كأمرٍ غير مرغوبٍ فيه، وزائدٍ عن الحاجة، ولا فائدة منه! فلم يقف الأمر لديهم عند تسطيح الزواج فحسب، بل تعداه إلى نفي فائدته بالمطلق، حتى أصبح مدعاةً حقيقية لإثارة القلق والريبَة. إن هذا الاستنكارُ والرفضُ ليس مجردَ وجهةِ نظرٍ شخصية، بل هو حقيقةٌ تستندُ إلى سُنّةٍ كونيةٍ وآيةٍ إلهيةٍ تُبطلُ ذلك الطرحَ في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21)
إن ما أُركّز عليه اليوم هو عملية الزواج نفسها؛ وكيف تتحول من رغبةٍ عارمة مبهرة إلى… لا مبالاة عادية باهتة؟
تأملوا معي تفاصيل هذا الحدث المبهج وكيف يبدأ تدريجياً بالانطفاء:
بدايةً، يأتي الأمر كرغبةٍ مُلحة، أو كعادةٍ متوارثة —وأيّ منهما لا بأس به— لتأتي بعد ذلك مرحلة البحث عن الشخص المناسب. “الشريك” ولا أحدثكم عما يحدث من عجائب في هذه المرحلة؛ فأحدهم يبحث عن الجمال، وآخر عن المال، أو عن الجاه، أو المنصب، أو الحَسب فقط. ليست المشكلة في المعايير ذاتها فهي مقبولة ومشروعة، بل الكارثة في اشتراط الشمولية المفرطة فيها، مع تجاهل مضامينها وإغفال جوهرها. وفي نهاية الأمر يظل ذلك رغبةً فردية، وحريةً شخصية.
تلي تلك المرحلة مرحلة الخِطبَة ثم العقد (“قنبلة المشاعر والعواطف”)، ويُختتم الأمر بالزواج؛ لتبدأ المحطة الأهم: “الواقع الأصيل” بعد انخماد، لهيب العشق، وولع البداية.
منذ تلك اللحظة يظهر المعنى الحقيقي لكلِ شيء تم وصمه سابقاً، لكلِ الأحاديث، والصفات، والوعود، والاتفاقيات، والمشاعر. ومما يجهله الكثيرون أن الزواج والشريك ليسا شيئاً جامداً ثابتاً بسماتٍ راسخة لا تتغير، بل هي علاقة متذبذبة تحتاج إلى جهدٍ، وعملٍ، وصبرٍ، وتفاوضٍ، وتنازل. يمر الثنائي فيها بصعوباتٍ وعثراتٍ وانتكاسات، وهنا تبدأ المشكلات بترسيخ قواعدها؛ إذ تظهر الخلافات، وتقل الرغبات، ويتسلل الملل، وتتوطن الرتابة، ويكفّ كلا الطرفين عن بذل المجهود، وخلق الأحاديث، وكسر الجمود، وتجديد الحب؛ مكتفين بأداء المسؤوليات المباشرة فقط، ظناً منهم أن المودة أمرٌ يولد مع الزواج تلقائياً، جاهلين أنها تُصنع محبةً وتبنى مشقةً بشكلٍ تدريجيٍّ وتراكمي.
ومن هنا تحدث الكارثة، حيث يبدأ البحث عن وهم المتعة ذلك السراب الزائف؛ فتظهر الخيانات، والمراهقات المتأخرة، والهروب للسهرات والاستراحات، وإدمان المواقع والمسلسلات، ونبذ الحياة الأسرية، وانتشار الوحدة والاضطرابات، أو اعلان الاستسلام رغبةً في التجديد عبر تعدد الزوجات، أو الفسخ أو طلب الطلاق مبررين ذلك بأنه شرع الله – والشرع هنا أبرأُ ما يكون من فعلهم –
في نهاية المطاف نكتشف أن المشكلة ليست في الزواج بحد ذاته ولا في تشريعه، بل في طريقة تعاملنا معه، والنظرة السطحية تجاهه، والركون إلى إلفة الاعتياد فيه، وضمان البقاء عنده؛ لتصبح البيوت مجرد “بيوتٍ معتادة”، صماء بجدرانٍ مُهترئة.
صامدة حتى… تَهِبّ الريح،
مُحبة حتى… يهجمُ العدو،
ناجحة حتى… تُختبر.
أخيراً: إن أردتم أرضاً ثابتة لا يبللها المطر ولا تزلزلها الرياح: اعلموا واعملوا، جاهدوا واجتهدوا، اصبروا وصابروا، واقبلوا وتقبلوا. فالزواج شراكةٌ بين اثنين تقوم على الأخذ والعطاء، والصبر والمحبة؛ فإن توقف أحدهما زاد الحمل على الآخر، وإن توقف كلاهما انهارت العلاقة بلا أدنى شك.
بشائر الكريديس


